صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3735
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
العبادات . فكلّ ما اخترع من الطّرق في الدّين ممّا يضاهي المشروع ولم يقصد به التّعبّد فقد خرج عن هذه التّسمية . كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص ممّا يشبه فرض الزّكوات ولم يكن إليها ضرورة . وكذلك اتّخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لم تكن قبل . إنّ البدعة في عموم لفظها يدخل فيها البدعة التّركيّة ، كما يدخل فيها البدعة غير التّركيّة ، فقد يقع الابتداع بنفس التّرك تحريما للمتروك أو غير تحريم ، فإنّ الفعل مثلا قد يكون حلالا بالشّرع فيحرّمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا ، فهذا التّرك إمّا أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا ، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه ، إذ معناه أنّه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه ، كالّذي يحرّم على نفسه الطّعام الفلانيّ من جهة أنّه يضرّه في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك ، فلا مانع هنا من التّرك : فإن قلنا بطلب التّداوي للمريض فإنّ التّرك هنا مطلوب ، وإن قلنا بإباحة التّداوي ، فالتّرك مباح ، فهذا راجع إلى أنّ العزم على الحمية ليس من المضرّات . وأمّا إن كان التّرك تديّنا فهو الابتداع في الدّين على كلتا الطّريقتين ، إذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا فصار التّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التّحليل وفي مثله نزل قول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( المائدة / 87 ) ، فنهى أوّلا عن تحريم الحلال . ثمّ جاءت الآية تشعر بأنّ ذلك اعتداء لا يحبّه اللّه . لأنّ بعض الصّحابة همّ أن يحرّم على نفسه النّوم باللّيل ، وآخر الأكل بالنّهار ، وآخر إتيان النّساء ، وبعضهم همّ بالاختصاء ، مبالغة في ترك شأن النّساء . وفي أمثال ذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من رغب عن سنّتي فليس منّي » . فإذا كلّ من منع نفسه من تناول ما أحلّ اللّه من غير عذر شرعيّ فهو خارج عن سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . والعامل بغير السّنّة تديّنا هو المبتدع بعينه . ( فإن قيل ) فتارك المطلوبات الشّرعيّة ندبا أو وجوبا ، هل يسمّى مبتدعا أم لا ؟ ( فالجواب ) أنّ التّارك للمطلوبات على ضربين : ( أحدهما ) أن يتركها لغير التّديّن إمّا كسلا أو تضييعا أو ما أشبه ذلك من الدّواعي النّفسيّة . فهذا الضّرب راجع إلى المخالفة للأمر ، فإن كان في واجب فمعصية ، وإن كان في ندب فليس بمعصية ، إذا كان التّرك جزئيّا ، وإن كان كلّيّا فمعصية حسبما تبيّن في الأصول . ( والثّاني ) أن يتركها تديّنا . فهذا الضّرب من قبيل البدع حيث تديّن بضدّ ما شرع اللّه ، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التّكاليف إذا بلغ السّالك عندهم المبلغ الّذي حدّوه « 1 » . [ للاستزادة : انظر صفات : اتباع الهوى - الحكم بغير ما أنزل اللّه - القدوة السيئة - التفريط والإفراط - الغلو . وفي ضد ذلك : انظر صفات : الاتباع - الأسوة الحسنة - الاعتصام - الإيمان - الإسلام - الحكم بما أنزل اللّه ] .
--> ( 1 ) الاعتصام ( 1 / 40 - 44 ) بتصرف